صفي الرحمان مباركفوري

279

الرحيق المختوم

وأعظم من هذين ما رواه البخاري عن جابر قال : إنا يوم الخندق نحفر ، فعرضت كدية شديدة ، فجاؤوا النبي صلى اللّه عليه وسلم فقالوا : هذه كدية عرضت في الخندق ، فقال : أنا نازل ، ثم قام وبطنه معصوب بحجر - ولبثنا ثلاثة لا نذوق ذواقا - فأخذ النبي صلى اللّه عليه وسلم المعول ، فضرب فعاد كثيبا أهيل أو أهيم « 1 » ، أي صار رملا لا يتماسك . وقال البراء : لما كان يوم الخندق عرضت لنا في بعض الخندق صخرة لا تأخذ منها المعاول ، فاشتكينا ذلك لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فجاء وأخذ المعول فقال : « بسم اللّه ثم ضرب ضربة ، وقال : اللّه أكبر ، أعطيت مفاتيح الشام ، واللّه إني لأنظر قصورها الحمر الساعة ، ثم ضرب الثانية فقطع آخر ، فقال : اللّه أكبر ، أعطيت فارس ، واللّه إني لأبصار قصر المدائن الأبيض الآن ، ثم ضرب الثالثة ، فقال : بسم اللّه ، فقطع بقية الحجر ، فقال : اللّه أكبر ، أعطيت مفاتيح اليمن ، واللّه إني لأبصار أبواب صنعاء من مكاني « 2 » » . وروى ابن إسحاق مثل ذلك عن سلمان الفارسي رضي اللّه عنه « 3 » . ولما كانت المدينة تحيط بها الحرات والجبال وبساتين من النخيل من كل جانب سوى الشمال ، وكان النبي صلى اللّه عليه وسلم يعلم كخبير عسكري حاذق أن زحف مثل هذا الجيش الكبير ، ومهاجمة المدينة - لا يمكن إلا من جهة الشمال ، اتخذ الخندق في هذا الجانب . وواصل المسلمون عملهم في حفره ، فكانوا يحفرونه طول النهار ، ويرجعون إلى أهليهم في المساء ، حتى تكامل الخندق حسب الخطة المنشودة ، قبل أن يصل الجيش الوثني العرمرم إلى أسوار المدينة « 4 » . وأقبلت قريش في أربعة آلاف ، حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة بين الجرف وزعابة ، وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد في ستة آلاف حتى نزلوا بذنب نقمي إلى جانب أحد . وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا : هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، وَما زادَهُمْ إِلَّا إِيماناً وَتَسْلِيماً [ الأحزاب : 22 ] . وأما المنافقون وضعفاء النفوس فقد تزعزعت قلوبهم لرؤية هذا الجيش وَإِذْ يَقُولُ

--> ( 1 ) صحيح البخاري 2 / 588 . ( 2 ) سنن النسائي 2 / 56 ، وأحمد في مسنده واللفظ ليس للنسائي ، وفيه عن رجل من الصحابة . ( 3 ) ابن هشام 2 / 219 . ( 4 ) نفس المصدر 3 / 330 ، 331 .